الثقافية والاجتماعية الأبنودي: نثور على الأجنبي وعندما يحكمنا مصري تصيبنا البلادة
الأبنودي: نثور على الأجنبي وعندما يحكمنا مصري تصيبنا البلادة
محيط – شيرين صبحي:
هو عملاق من عمالقة الشعر والموال فى الوطن العربي ، كان لقصائده ابلغ الاثر فى التراث الشعبي والوطنى المصرى وهو " الخال " وهو الصعيدي الاصيل ، ومع مرور خمسون عاما على بناء السد العالي قررت الاعلامية منى الشاذلي مقدمة برنامج "العاشرة مساء" الذى يذاع على قناة " دريم2 " الفضائية أن تقدم لمشاهديها لقاء مع شخص ممن بنوا السد العالي، بأفكارهم وقصائدهم ، هو صاحب "حراجي القط" الشاعر الكبير عبد الرحمن الأبنودي.
عاش الأبنودي في أسوان أيام بناء السد، وارتبطت الكثير من أفكاره بهذا المشروع، وبعد مرور نصف قرن يرى أن السد العالي مثل قضية فلسطين، وأن الفكرتان ارتبطت بجيله الذي تربى على التحدي بفكرة بناء السد العالي، والإيمان بأن فلسطين لابد أن تعود لأهلها.. ورغم أن جيل الستينيات رفض الكثير من سياسات عبد الناصر إلا أنه اتحد مع إصرار هذا الزعيم وقبل مقامرة بناء السد.
ومن الأشياء التي كتبها الشاعر: "اتمد يا عمري اتمد يا عمري اتمد.. وأعيش وأفرح وأشوف بعيني السد"، فقضية السد العالي هي التي بنت هذا الجيل بناء قوي ملحمي.
تتعجب مقدمة البرنامج أن الشعب كان يصدق ما يقال له في هذا الزمن، فيحلل لها الأبنودي طبيعة الشعب المصري الذي من قديم الزمن يتبع الفرعون الذي يحكم وكان يؤلهه "أعيننا دائما على الذي يحكمنا، الشعب المصري مقياسه حاكمه يستطيع أن يأخذه للقمر أو يخسف به سابع أرض".
ويضيف: عندما كان يميل الحاكم للأجنبي نجد الشعب المصري خارج سيطرة هذا الحاكم، يخوض معاركه ويخرج ضد حاكمه وقد رأينا ثورة 1919 وغيرها، وذلك لأن المغتصب أجنبي، لكن عندما يكون الحاكم مصري تصيبنا حالة "بلادة".
يذكر الأبنودي أن د. مصطفى الفقي طلب منه أن يذهب ابن "حراجي القط" إلى توشكي ليكتب عنها، لكن الشاعر يؤكد أنه لم يبصر توشكي التي ربما أبصرتها السيادة المصرية وليس نحن.
حراجي القط
كان هناك فكرتان صدقهما جيل الأبنودي، السد العالي والتحرر وهزيمة إسرائيل .. تحققت فكرة السد بينما جاءت هزيمة 1967م، وفي هذا يقول الشاعر " هزيمة 1967 كان لها ملابساتها وهناك صراعات السلطة وغيرها، نحن لم نكن نريد أن نرمي إسرائيل في البحر بل نحولهم إلى يهود كما كانوا موجودين في العالم العربي، لكي يأخذ الشعب الفلسطيني حقوقه، وتخلينا عن هذه الفكرة في الطريق هو الذي أدى إلى الأوضاع البائسة والتعيسة في فلسطين، لكن الحلم والأمل لم ولن يمت".
ولكن لماذا ذهب الأبنودي إلى أسوان؟ يقول الشاعر أن جيل الستينيات كان مؤمن بالفكرة إيمانا كبيرا، فذهب هو والناقد سيد خميس والشاعر سيد حجاب إلى ما يسمى بوزارة السد العالي وطلبوا رؤية تجربة السد العالي ولكنهم لم يستطيعوا لعدم وجود المال.
قرر الأبنودي أن يذهب بمفرده وانتظر حتى كتب أغنيتين وجمع 15 جنيها، وذهب عام 1966 م وهناك كتب عن "حراجي القط" الذي كان صديقا حقيقيا له وليس شخصية خيالية.
كان "حراجي" أطول أصدقائه وأضخمهم فطلب منه أحد المقاولين العمل في السد، فسافر حيث ميدان العمل، وعندما وصل الأبنودي إلى هناك فوجيء بالميدان وكأنه ميدان حرب رهيب لا يمكن أن يتعرف فيه على أحد، ولكنه عثر على شخص يعرفه فسأله عن "حراجي" فأخبره أن كل "الأبنودية" في مكان واحد، وعندما ذهب عرف أنه لا توجد بيوت أو أي شيء وكان الناس تفرش على الأرض وتنام برغم وجود عقارب وثعابين.
كان الشاب عبد الرحمن الأبنودي في هذا الوقت يسمع عن السد ومتحفزا وممتلئا بالفكرة والمشروع ولكن عندما ذهب إلى الموقع وجد أن المسألة عالم كبير، وفي هذا يقول "مكان ما تكون مصر أكون، ما أقدرش مصر تبقى صاحية في حتة وأنا قاعد على القهاوي مثل المثقفين".
لم يذهب الأبنودي إلى أسوان للكتابة ويرى استحالة ذهاب شخص للكتابة ويستطيع أن يكتب، لأنه حينها سيكتب كلام إنشاء لن يبقى.
قرأ الأبنودي رسالة "جراحي الأولي إلى زوجته وفيها يقول:
أما بعد .. لو كنت هاودت كسوفي ع التأخير
سامحيني يا فطنه في طول الغيبه عليكم
وأنا خجلان .. خجلان .. وأقولك يا زوجتنا أنا خجلان منكم ..
من هنا للصبح ..
شهرين دلوقت ..
من يوم ما عنيكي يا فاطنه .. بلت شباك القطر ..
لسوعتي بدمعك ضهر يديَ
لحضتها قلت لك :
(( قبل ما عوصل عتلاقي جوابي جي ... ))
نهنهتي .. وقلتي لي بعتاب:
(( النبي عارفاك كداب .. نساي
وعتنسى أول ما عتنزل في أسوان .. ))
حسيت واليد بتخطفها يد الجدعان
بالقلب ف جوفي ما عارف ان كان بردان .. دفيان
والبت عزيزه والواد عيد
قناديل في الجوف .. زي ما بتضوي .. بيقيد ..
.......... والقطر إتحرك ..
وقليبي بينتقل من يد لإيد .
والقطر بيصرخ ويدَودِو
اتدلدلت بوسطي من الشباك ..
( خذي بالك م الولد .. راعي عزيزه وعيد )
والقطر صرخ ورمح لكإنه داس على بصة نار ..
ولقطت الحس قريب .. قد ما كنتي بعيد :
(قلبي معاك يا حراجي هناك في أسوان ..)
...........................
ورميت نفسي وسط الجدعان .. وبكيت ..
وبلدنا اللي كنا بنمشيها ف نص نهار
كان القطر في لحضه .. فاتها بمشوار . سامحيني يا فطنه على التأخير ..
ولو الورقه يا بت الخال تكفي
لأعبي لك بحر النيل والله بكفيِ
وختاماً ليس ختام ..
بابعت لك ِ
ليكي ولناس الجبلايه ولبتي عزيزه والواد عيد
ألف سلام
رؤية الفلاحين
كتب عبد الرحمن الأبنودي بعد عودته من أسوان، ولكن عندما ألقت المباحث العامة القبض عليه أخذت كتبه وأوراقه ومن ضمنهم مخطوطة "جوابات حراجي القط" والتي كان قد كتبها كاملة.
ذهب الأبنودي إلى السويس وكتبت أغاني 1967 م مثل "موال النهار" وكان غير مؤمن بالهزيمة ويعلم أننا سننتصر، وهناك عاش مع الذين رفضوا الهجرة، وفي غمار هذا نسي "حراجي"، وما رأيته غير مفهوم الفلاح المصري لدي تماما.
يحكي الأبنودي أنه في السويس سأله عم إبراهيم أبو العيون: لماذا حبسوك؟، فأجابه: الرجل اللي اسمه عبد الناصر، وهنا انفجر الرجل غاضبا وقال "بتقول إيه وأنت لولا عبد الناصر كنت لبست قميص وبدونه كنت عرفت تكتب الكلام ده"، وكانت الراية الإسرائيلية على الضفة الثانية فقال له الأبنودي انظر إلى هذه، فقال عم إبراهيم "دي هتغور مش هتقعد"، وفي هذا يقول الأبنودي "الفلاحون كانت لهم رؤية غير الرؤية المرفهة لدينا".
يعود الأبنودي ليقرأ رسائل "حراجي" والذي كتب في الرسالة الخامسة:
فى يوم نقانى الحج بخيت
انا وتلاتة معايا عشان نزرع دلاميت
اهى دى الشغلة اللى تخوف وتموت صوح
اصعب ما يكون فى اسوان هى حكاية الدلاميت دى
صوابع طولانة كدة ننكتها فى الاجبال ونقيد السلك يا فاطمة
ورمح بيفرقع نجرى ونتكفه صدقى لما يقولوا قدامك
شوفنا خلق بتتوفى وقعدت اقول
ليه يا حراجى بيشيلوا ويعافروا فى الجبل المعافر ده
يكونوش ناوين على الزرع يا جدعان وطب دى حتت زرع
يعنى ضايقة الدنيا معاهم مش لاقين غير الارض الطوب
هى الناس دى يا ولاد بتفكر بالمقلوب
وبقينا اخر الليل افرش على حتة فى الشغل
واقعد اتكلم واتحددت انا والملوى وعلى ابو عباس هو صوح الدلاميت اسهل من شيلت الفاس
لكن بيولعوا فى الجبل العالى ده ليه ما لقينا جواب
اصل اللى معانا يا فاطمة مش من اهل اسوان علشان يقولولنا
مهو جاين زينا من ميت جبلاية فار
مهو كانوا هناك زينا بيشتغلوا انفار
يا خربيت اللى يضيع عمرنا هوف
وطلعنا وشيب راسنا فى حكاية الانفار
اتعلمنا من الصغر يا فاطمة ان مفيش فى الدنيا الا شغلانة الانفار
طب عمرك سمعانا بالدلاميت
صوباعين لما يطرشقوا تحت البيت عيجيبوا عليه فى واطية
وانا حتة كنت هقرب كيف من الدلاميت
لولا ما اختارنى يا فاطمة الحج بخيت ان كان على اسمة اهو كل الناس بتقول دلاميت دلاميت اصل هو اسمة حلو دلاميت
لكن فى واحد قرب وشه فى شافه
ده حتى فى شغالة فى الدلاميت ويانا بيحطوا الصوباعين ويفروا
من غير ما يحققوا فيه ولا يعرفوا دة اللى فى العلبة وبيفرقع لما يحطوه كونته ايه
لكن جوزك صدق ما لقيه
عرفونى اوام وغويت الشغلة يا فاطمة
تسأل مقدمة البرنامج منى الشاذلي كيف كانت أول مرة نشرت وعرفت هذه الرسائل؟ ويوضح الأبنودي أنه طبع الديوان وقبل نشره استضافته إذاعة " الشرق الأوسط " وقرأ ثلاث أو أربع رسائل، واشتهر من خلال الراديو عن طريق هذه الرسائل التي كان يقرأها كل يوم العصر، وهذا ما عرف الناس به.. وحتى الآن فهذا الديوان الوحيد الذي إذا ما طرح في الأسواق لا تعود منه نسخة واحدة.
يوضح الأبنودي أن "حراجي" بدأ يفهم ما يحدث وفي أخر رسالة أرسل يقول لزوجته:
حراجي عرف السر يا فاطنة
عرف السر
عرف المعنى التاني للخير والشر
عرف المعنى التاني للحب وللبر
كشف الكشتينة وشاف
الشوف خلاه استقوى و خلاه خاف
خاف من المشوار بين البليار و بين اللقمة الحاف
بين الكلمة و بين نفس الكلمة
حراجي شاف
وأما شاف
خاف
حراجي لو لف الدنيا والآخرة وطاف
لم كان تعلم ولا شاف
زي ما شاف
و أما شاف السكة وقع في الحزن
ورقه وقع منه في الشتاء
وتعرى لمسامير البرد و زعق الريح
وحراجي ما عرفه بلي عرفه مليح
ولا كان بدري مليح
الجهل مريح يا فاطنة
الجهل مريح
عدم العلم مليح
يا أم أولادي يا إنسانة زي الناس
عدم العلم مليح
عدم العلم عيون تنعس في الليل
ضحكة من القلب
من القلب صحيح
لكن العلم يا فاطنة بيلبسنا
ناظور
و يحطنا في النور
نوعى لكل الحاجة مرة واحدة و نعرفها
مهما تمشي فيها ما يقابلنا شيئ جديد
توقع الضحكة
و القلب ما يفرحش
لاظلة و لا شمس
لما يكون الكون كله موش مفهوم
الخير و الشر
الإيد الممدودة دعاء و الإيد الممدودة تداري الحر
والإيد الممدودة تولع لمبدة
و والإيد الممدودة ضر
يصبح للدنيا طعم وحيد
ماعرف ماصخ
عادم
ولا أحسن طعم
لكنه يا فاطنة طعم حزين
حزنه ما يتغيرش
زي غنى الطين
وعن الخطاب الذي ألقاه جمال عبد الناصر وهو يعلن انتهاء السد، يقول الأبنودي "كان شيء محزن، عبد الناصر صرخة الشباب والحيوية كان وكأنه يحمل السد على كتفيه وهو يعلن انتهاءه" ويعلق قائلا: كنا سذج قليلا بالنسبة للسلطة، كنا نعرف أن الفرعون يؤمر فيطاع لكننا لا نعلم أن الكهنة يحولوه هنا وهنا!! أما الآن نحن ندرك أنه كان في حياتنا رجل عظيم.
حكاية شعب
أما أكثر الأغاني الخاصة بالسد العالي القريبة من قلب شاعرنا فهي أغنية لمرسي جميل عزيز وعبد العظيم عبد الحق الذين ألفوا أغنية تقول في مطلعها "هنبني السد هنبني السد وده مش مال ده مش مال حد" وكانت أغنية قصيرة لكنها مميزة في الستينات كثيرا، كذلك أغنية "حكاية شعب" التي غناها عبد الحليم حافظ وإبدعها كمال الطويل.
وفي تساؤل عن سبب عدم الكتابة عن توشكي وهل هو قرار بعد الترويج لأي مشروع كبير لأنه لا يضمن كيف تكون نهايته، يقول الأبنودي: هناك مثل يقول "الجواب يبان من عنوانه" والسد كان واضح ولم يحتاج إلى السؤال لأننا كنا نرى كيف يفعل فيضان النهر بالأرض، أما توشكي فقد رأيتها ووجدت أن شيء في عقلي لا يريد أن يستوعب ما يحدث، وقد رجعت من توشكي لا أفهم أهمية هذا المشروع.
أما الاتهام بأن جيل الستينيات أسير لإنجازات الستينيات فقط، فيرد عليه الأبنودي متسائلا: وهل عندما تحمسنا للسد العالي كان قد أنجز؟! كان مجرد فكرة ومع ذلك اندفعنا لأنها فكرة شديدة الوضوح.. في الستينات كنا مؤمنين بالبشر
تم إضافته يوم الثلاثاء 09/03/2010 م - الموافق 23-3-1431 هـ الساعة 8:42 صباحاً