جمعية الصحفيين السودانيين ،،

المقالات
جديد.. جديد
يَايْ .. مَساكينْ يَا بَابِيْ! ...
كمال الجزولي

الاثنين:

لم يثبت، حتى الآن، على كثرة اللتِّ والعجن، أن ما أدلى به الأستاذ ياسر عرمان، المستعرب المسلم، ونائب الأمين العام للحركة الشعبيَّة لقطاع الشمال، ورئيس كتلتها البرلمانيَّة، من حديث تحت قبَّة المجلس الوطني، قد اشتمل، من قريب أو بعيد، على أيِّ معنى للكفر، شكلاً أو مضموناً! فالصحافة المستقلة، ومعظم أجهزة الإعلام، في الداخل والخارج، تجمع على أن ما قاله ياسر، في جلسة 22/4/09، والتي خصِّصت لمناقشة مشروع تعديلات القانون الجنائي، لم يخرج، البتة، عن منطوق اتفاقيَّة السلام الشامل، المبرمة في 9/1/05، والدستور الانتقالي لسنة 2005م، لجهة المطالبة، عند التصدِّي للتشريع، بمراعاة عدم فرض مفاهيم (الجريمة والعقاب) في الإسلام على غير المسلمين في السودان، ضارباً المثل بـ (الزنا) الذي تتعاطى معه مختلف الأنظمة القانونيَّة العرفيَّة، في إطار منظومة التنوُّع السوداني، بغير ما تتعاطى معه الشريعة. فلو أن مثل هذا القول مِمَّا يعتبر كفراً، لطالت التهمة، في المقام الأوَّل، حكومة (الإنقاذ) نفسها التي أبرمت وثيقتي (الاتفاقيَّة) و(الدستور) التأسيسيَّتين مع الحركة الشعبيَّة، كمرجعيَّة ملزمة لعمل أجهزة الدَّولة كلها، بما فيها الجهاز التشريعي ذاته.

على خلفيَّة هذه الحقيقة الساطعة أكد لي د. غازي صلاح الدين، مستشار رئيس الجمهوريَّة، ورئيس الكتلة البرلمانيَّة لحزب المؤتمر الوطني، في حوار جرى بيننا، بمكتبه بوزارة الحكم الاتحادي، بعد ظهر الخميس 30/4/09، في حضور الصديق فيصل محمد صالح، أستاذ الإعلام ومدير (طيبة برس)، أن ما نسِب إليه من نفخ في صور القيامة التي قامت في عقابيل حديث ياسر، ليس إلا نتاجاً لسوء فهم غليظ، مشدِّداً على أنه، عندما بادر بطرح نقطة اختلافه مع الرَّجل، فإنما تركزت مناقشته، بالأساس، على كون (الزنا) عملاً مستهجناً في ثقافات كلِّ الشعوب السودانيَّة، وربَّما شعوب العالم بأسره. أما، في ما عدا ذلك، فإنه لم يدفع بتلك المناقشة، قط، بل لم يدُر بخلده، أصلاً، شئ من ثنائيَّة (الإيمان والكفر) التي أثيرت، لاحقاً، أثناء غيابه، حيث كان قد غادر إلى خارج البلاد في بعض مهامِّه الرسميَّة. ووافقني د. غازي، تماماً، عندما عبَّرت له، من منطلق إحسان الظنِّ بروايته، عن يقيني، والأمر كذلك، بأن سوء التفاهم قام أصلاً، في ما يبدو، على الاختلاف المنهجي الواضح بين زاويتي التناول المتباينتين لرأي الأستاذ ياسر من جهة، ولرأيه هو من الجهة المقابلة. ففي حين كان الأوَّل يتحدَّث وعينه مركزة على مؤسَّسة (القانون)، انصبَّ حديث د. غازي على مؤسَّسة (الأخلاق)، وشتان ما بين هذه وتلك! ووعد د. غازي بتوضيح موقفه عبر مقالة صحفيَّة، وقد أوفى بما وعد، إذ نشرت مقالته بالفعل بعد ثلاثة أيام من ذلك (الرأي العام وأجراس الحريَّة، 3/5/09).
لكن المشكلة تظلُّ، مع ذلك، باقية! فهيئة "علماء" السودان كانت قد سارعت لإصدار بيان متعجِّل حول ما أسمته (مفتريات ياسر عرمان)، حوَّمت فيه حوامة خطرة حول (تكفيره) و(إهدار دمه)، بل وحطت عليهما، مباشرة، في أكثر من موضع! ففكرة (التحريض) و(التهييج) ضدَّ الأستاذ ياسر حاضرة في البيان، بقوَّة، من جهتين:

فمن جهة أولى انصرفت (الهيئة) لاستنفار "شعب السودان الذين يدينون بدين الإسلام"، والذين يظنُّ ياسر أنهم "لا يغارون على دينهم، ولا يغضبون لكتاب ربهم .. فينبغي ألا تنام عينه وهو ينظر إلى الإسلام بلحظ المقت، ويتفوه بكلمة تسجل على الإسلام إساءة"، حيث أنه "لم يكن مؤمناً، ولا يقدر مشاعر المؤمنين، ولا معتقدات المسلمين، يطعن في شرعهم، ويغمز في دينهم .. ألا قد هبت رياح الجهاد باللسان أو بالسنان، ألا أيها الموت خذ من لا يدافع عن الإسلام، والموت ثم الموت ثم الموت لأعداء الإسلام"!

ومن جهة أخرى انصرف البيان لابتزاز "المسئولين" بأنَّ "تَرْكَ مثل هذا هو أعظم الإهمال وأشنع الفعال"، متسائلاً: "كيف يكون الدين محمياً وبيننا من يسئ إليه، وكيف يكون مقدساً وبيننا من يطعن فيه"؟! ومن ثمَّ نفذ البيان إلى (تحريض) السلطة، مباشرة، على ياسر بأن "يقدَّم إلى المحاكمة .. ليُقم فيه دين الله، ويطبَّق عليه حدُّ الله"، فإن "الإسلام بُذلت النفوس دفاعاً عنه، وأريقت الدماء تبليغاً له"!

فإذا نظرت إلى (صيحة الجهاد) هذه، آخذاً في اعتبارك تنافرها مع حقيقة ما جرى تحت قبَّة البرلمان، وفق أغلب الصحافة والإعلام، بل ووفق د. غازي نفسه، لتكشف لديك غرضها كمحض استنفار سياسي مفضوح لا شأن للدين به، يستبطن أيديولوجيا إستعلائيَّة، إقصائيَّة، إستئصاليَّة، لا تعترف بأدنى حقِّ لـ (المواطنة) في (الاتفاقيَّة) أو (الدستور)، ولا ترى في الوطن غير صقع ينبغي أن تتوطأ أكنافه للمسلمين وحدهم!

والذهاب إلى أبعد من ذلك ليس عسيراً. فمَن يُسمُّون أنفسهم، في كلِّ عهد، تسميات مختلفة، تتفق في جذر واحد هو (علماء السودان) أو نحو ذلك، ليسوا، في حقيقتهم، سوى منسوبي قوى اجتماعيَّة بعينها تتخذ موقفها من الصراع السياسي وفق مصالح محدَّدة، على رأسها التطلع الدائب إلى (سلطة) ما تنتصب، بوهم قداسة مزعومة، فوق المجتمع! ولأن أقرب الأبواب إلى هذه (السلطة) هو باب الحاكم، فقد نمُّوا قرون استشعار تتلمَّس، من بُعد أو قرب، بحسب الحال، شتى الرغائب السلطانيَّة، ليسارعوا للانحياز إليها، والتعبير عنها! وقد تكفي، لإدراك ما نقول، نظرة عابرة إلى تاريخ السلطة في السودان، منذ التركيَّة السابقة، استعماريَّة كانت أم وطنيَّة، عسكريَّة أم مدنيَّة. وليس أدلُّ على ذلك من اقدام "علماء السوء"، بمصطلح الإمام المهدي، على (تكفيره)، وإن كان ذلك قد دفعه هو نفسه، من باب ردِّ الفعل، إلى (تكفيرهم) بالمقابل! وإلى ذلك مباركتهم، بذات الرؤية (التكفيريَّة)، لتنكيل الإدارة البريطانيَّة بالفكي الثائر علي ود عبد الكريم في أم درمان، عام 1903، والذي أعلن أنه عيسى بن مريم جاء ليقتصَّ للمهدي من المسيخ الدَّجال (الاستعمار)، ويملأ الأرض عدلاً بعد أن ملئت جوراً، كامتداد طبيعي للفكرة المهدويَّة من أصل جنسها. لقد كان فعل الإدارة البريطانيَّة سياسياً بامتياز، لكن "العلماء" أسبغوا عليه معنى دينياً، حتى لقد لاحظ باحث بريطانى أن تلك (المباركة التكفيريَّة) أكسبت ذلك التنكيل السياسى "بُعده الشرعى!" (تيم نبلوك؛ صراع السلطة والثروة فى السودان، 1990م). أما في التاريخ القريب، فلعلَّ أسطع نموذج لذلك، علاوة على حلِّ الحزب الشيوعي، وإعدام محمود محمد طه، والقتل (التكفيري)، خلال العقدين الأخيرين، لمصلين في المساجد، وللفنان خوجلي عثمان، ومحاولة قتل زميله الفنان عبد القادر سالم، فضلاً عن إهدار دم قيادات سياسيَّة وطلابيَّة، إضافة إلى مفكرين وكتاب ومحامين وصحفيين مقابل أجر معلوم، هو (الفتوى) السلطانيَّة بـ (تكفير) الأنصار فى أحداث الجزيرة أبا عام 1970م، ومايو، بعدُ، لمَّا تزل تعتبر "حمراء"، بالحقِّ أم بالباطل! فبعد وصفها لتلك الأحداث "بالفتنة المتدثرة بثوب الاسلام"، قالت (الفتوى) بالحرف الواحد: "إن مبادئ مايو لا تخرج عن مبادئ الاسلام التى تقوم على العدل والاحسان ومحاربة الظلم والفساد؛ لذلك فإن الوقوف بجانبها واجب دينى، قبل أن يكون واجباً وطنياً، والخروج عليها خروج على أمر الله، ومخالفة صريحة لأهداف ومبادئ الاسلام!" (الأيام، 3/4/1970م).

في هذا السياق يأتي (تكفير) ياسر. فإنْ تساءلت فيم دويُّ (الطبول) يصمُّ الآذان، في بيان (الهيئة)، داعياً إلى (الحرب)، فلن تجد، مهما دققت، سوى عبارات إنشائيَّة مجَّانيَّة عامَّة، تفتقر إلى الوقائع المتعيِّنة، ويُراد لها أن تنسكب، كما السُّمُّ الزعاف، على العواطف، لا العقول، من حيث عجزها التام، وهي على حال سيولتها هذي، لأنْ تؤسِّس ولو لاتهام وقائعي واحد، بأيِّ معيار، في مواجهة الرَّجل! غير أن كاتب البيان راح يتوهَّم، بكلِّ حُمرة عين وغلظة كبد، أن في مستطاعه، ببساطة، وبمحض كلام معمَّم، مسجوع، ومرسل، إخراج مسلم من الملة، والدفع بعنقه إلى حبل المشنقة، محتسباً فعله هذا لوجه الله تعالى، وراجياًً أن يؤجر عليه بجنات تجري من تحتها الأنهار! فانظر، بربِّك، إلى الحيثيات المطلقة التي بنى عليها اتهامه لياسر بأنَّ "الإسلام برئ" منه، كونه "تطاول على كتاب الله"، و"اجترأ على حدوده"! و"أعماه الهوى، واستبدّ به الجهل، فأصبح مأخوذاً نحو ربه بالغرور، يهزأ بكتاب الله، ويصفه بالعجز والقصور"! فإنْ هو إلا محض "منحرف استفاد انحرافه من مخالطة غيره من اليهود والنصارى"، وإنْ هو إلا مجرَّد "دعيٍّ وجد نفسه في مأمن احتماءً بأوليائه واستناداً إلى الأعداء"! وأنه "لما توغل في الذنوب أورثه الله الكفر"! وأن "صوته الصارخ الكذاب هو البداية للنزول في الميدان، وإن دعا الداعي، إعمال السنان"! ذلك لأنه "تربى في أحضان الكفر، ورضع من ألبان الجهل، وخرج على الناس بأعظم فرية، وأقبح قولة، وقد نطق لسانه بما استكنَّ في صدره، بأن تطبيق حدود الله وإقامة شرعه إهانة للإنسان السوداني"!

لكن كاتب البيان الذي أوغل في سبِّ ياسر هكذا بالمطلق، لم يتكبَّد أدنى مشقة للكشف عن سنده في ما نسب إلى الرَّجل في عبارته الأخيرة! والغريب أنه، بصرف النظر عن أحكام (الاتفاقيَّة) و(الدستور)، حين أراد الاستشهاد بآيات القرآن لتبيان (كفر) ياسر في دعوته لعدم إخضاع غير المسلمين لأحكام الشريعة، أنطق الله قلمه بالحقِّ، فلم يجد ما يستند إليه غير قوله تعالى: "فإِنْ جاؤوكَ فاحكم بينهُم أَو اعرضْ عنهُم .. الخ" (42 ؛ المائدة)، ثمَّ قوله تعالى: "وليَحكم أَهلُ الإِنجيل بما أَنزَلَ الله فِيهِ" (المائدة ؛ 47)، فتأمَّل!

الأغرب من ذلك إقرار أحد كبار مسئولي (الهيئة)، بحضوري وحضور بعض الزملاء، بأن "كاتب" بيانهم "تعجَّل" في فهم حديث ياسر، "فلفحَ" الكلام "لفحاً" ليؤسِّس عليه "فتواه"! فلم أجد، للأسف، شبهاً لذلك غير ما تصفه الحكمة الشعبيَّة بـ (شغل الماشطات) اللاتي كثيراً ما يخرِّبن النسيج المجتمعي بمثل هذا "اللفح"؛ على أنَّ تخريباً تمارسه (ماشطات) يجُسن بين البيوت ليس كتخريب يبلغ حدَّ التهييج العام تحريضاً على القتل، يمارسه أناس يتصدَّون لقدس أقداس المسلمين، ويفترض فيهم التأسِّي بحديث الرسول (ص): "ألا إن التبيُّن من الله، والعجلة من الشيطان، فتبيَّنوا"، فهذا، بالقطع، أخطر وأجلَّ بما لا يُقاس!

أما مقالة إسحق فضل الله، رئيس تحرير (الوفاق) الذي لم يكفه بيان (الهيئة)، فانبرى بهجوم عنيف، ليس على ياسر وحده، بل وعلى (الهيئة) نفسها، متهماً إياها، بعد كلِّ ما فعلت، بـ (التفريط!) في حماية الدين (الوفاق، 25/4/09)، فنمسك عن التعليق عليه، في الوقت الراهن، لأن الرَّجل محظور من الكتابة، وصحيفته موقوفة عن الصدور، ولا نملك غير أن نضمَّ صوتنا إلى صوت ياسر نفسه الذي طالب برفع هذا الحظر، كونه، هو الآخر، غير دستوري (الشرق الأوسط، 27/4/09).


الثلاثاء:



بدعوة كريمة من مؤسسة (طيبة برس) ومن د. عبد الماجد بوب، مشكورين، تهيَّأ لي أن أحضر، ظهر اليوم الثلاثاء 28/4/09، الاحتفاليَّة التي نظمتها المؤسَّسة، بقاعة محمد عبد الحي بمتحف التاريخ الطبيعي، وأدارها مديرها العام، الأستاذ فيصل محمد صالح، تقديماً لكتاب د. بوب الصادر، لتوِّه، من مطبعة جامعة الخرطوم في 580 صفحة من القطع الكبير، بعنوان: (جنوب السودان: جدل الوحدة والانفصال).

الكتاب الذي عكف بوب على جمع مادته وتصنيفه طوال ما يقرب من ربع القرن، مستفيداً من معايشته لمناخاته، وللكثير من صُنَّاع أحداثه، خلال نحو من ثلاثة عشر عاماً قضاها أستاذاً بجامعة جوبا، والذي قدَّم له د. محمد سليمان محمد، واصفاً منهجه، عن حقٍّ، بموضوعيَّة البحث في قضاياه الشائكة، جاء مرتباً ترتيباً أكاديمياً رصيناً في تسعة فصول، ذيِّل كلٌّ منها بهوامش في غاية الدِّقة، كما جاء مزوَّداً بثلاثة وثلاثين ملحقاً، جلها وثائق ربَّما تنشر، لأوَّل مرَّة، مترجمة إلى العربيَّة بمساعدة الصديق هاشم محمد صالح.

وبرغم قول بوب عن عمله هذا، بتواضع جم، إن أهميَّته لا تعدو كونه تجميعاً، بين دفتي كتاب واحد، لمادة ظلت منتثرة في مصادر متعدِّدة، حول التاريخ السياسي للجنوب من دخول المستعمر إلى اتفاقيَّة السلام؛ إلا أنني، ما أن فرغت من مطالعته، حتى تيقنت من أنه يضارع، من حيث الأهميَّة والقيمة، كلَّ الكلاسيكيات المرموقة التي سبق أن رفد بها المكتبة السودانيَّة، حول "قضيَّة الجنوب"، باحثون مدققون، أمثال الأستاذين محمد عمر بشير ومدَّثر عبد الرحيم وغيرهما، حيث بقيت وحدها، على مدى عشرات السنين، بمثابة المصادر الأساسيَّة التي لا غنى عنها لأيِّ دارس؛ بل تيقنت أن كتاب بوب هذا يفوقها طرَّاً، بالنظر، بطبيعة الحال، إلى جدَّة الكثير من الموضوعات التي دارت حولها محاوره، وغزارة وطرافة المادة التي أجرى عليها تحليلاته. ولا شكَّ عندي في أن كلَّ من سيقدَّر له الاطلاع على هذا السِّفر لن يلبث أن يبلغ إلى ذات هذا الاستنتاج.


د. بوب أتمَّ دراسته الجامعيَّة وفوق الجامعيَّة بجمهوريَّة ألمانيا الديموقراطيَّة (سابقاً)، وأمضى فترات بحثيَّة بجامعة دَرَم، بالمملكة المتحدة، وجامعة بيركلي بكليفورنيا، علاوة على سنوات عمله الطويلة كأستاذ جامعي، مِمَّا وفر له دربة عالية في البحث والكتابة. وقد قصدت، بكلمتي القصيرة هذه، مجرَّد إيماءة تحيَّة إلى هذا الصديق البحَّاثة الدءوب الذي عاد الآن إلى مستقرِّه بالولايات المتحدة الأمريكيَّة، بعد أن قضى بضعة أسابيع في الخرطوم أشرف خلالها على إصدار عمله المجيد هذا، راجياً أن أتمكن من العودة، قريباً، بإذن الله، إلى قراءة أكثر توفراً عليه، وأعمق تمكثاً.

الأربعاء:

عجيبة، بقدر ما هي محزنة، تلك النماذج التي عكسها التحقيق الصحفي مع طلاب الجامعات (الأحداث، 6/4/09)، بمناسبة الذكرى الرابعة والعشرين لانتفاضة أبريل 1985م، حول معلوماتهم العامة عن هذا التاريخ القريب! ففي إجابة على السؤال عمَّا يعرفون عن 6 أبريل، أجاب طالب بأنه اسم لحدائق واسعة وسط الخرطوم! وأجاب طالب آخر بأنه غير متأكد تماماً، لكنه غالباً ما يكون مرتبطاً بكذبة أبريل! وأجابت طالبة بقولها: "إحتمال يكون تاريخ افتتاح الحدائق"! وعندما حاول الصحفي مساعدة طالبة أخرى على الإجابة بقوله إنه تاريخ ثورة جماهيريَّة أطاحت بحكم عسكري في السودان عام 1985م، قاطعته قائلة بحماس:

ـ "أيوااا، إتذكرت .. ثورة الإنقاذ .. مُش"؟!

إرتعبت لفكرة تقصيرنا إلى هذا الحدِّ في حق هؤلاء الشباب الذين يمثلون نماذج نسبة عالية في جيل أو جيلين يُقدَّرون بالملايين، وسيشكلون ثقلاً معتبراً في الانتخابات القادمة، هذا إنْ اجتذبتهم هذه الانتخابات، أصلاً .. وبمعجزة! والأخطر أنهم البُناة المفترضون لمستقبل السودان .. طوبة طوبة، سلماً، وديموقراطيَّة، وتنمية!

غير أن الرُّعب بلغ بي أقصى مداه حين حاول الصحفي، أيضاً، تقريب المسألة إلى طالبة ثالثة قائلاً لها إن ذلك اليوم سبقته مظاهرات ضدَّ الحكومة؛ فما كان منها إلا أن علقت متسائلة باستغراب:

ـ "مظاهرات ضدَّ الحكومة؟! ما سمعنا بيها .. البنعرفو إنو المظاهرات بتكون بس مع الحكومة"!

لحظتها قفزت إلى ذاكرتي، على الفور، الحكاية الطريفة التي ساقها الكاتب محمد الفكي سليمان، عندما حلَّ ضيفاً على الرزنامة في 18/9/07، أيام صحيفة (السوداني)، وكان قد سبق له أن أوردها في كتابه الممتع (صباحات زاهي ومساء الجنرالات)، عن صديقيه وزميليه بجامعة الخرطوم، أواخر التسعينات المنصرمة، شاوراب والرَّيَّح، اللذين كلفا، مرَّة، بابتدار الدعوة إلى أحد أركان النقاش، فاختارا أهزوجة محجوب شريف الثوريَّة: "أسمعنا يا ليل السجون/ نحنا بنحب شاي الصباح/ والمغربيَّة مع الولاد/ والزوجة والأم الحنون"! غير أنَّ إحدى (برلومات) الشهادة العربيَّة سارعت بالاتصال، فوراً، بأبيها في الخليج تطلب نقلها إلى جامعة أخرى، اشمئزازاً من وجود طلاب شحاذين جوعى بجامعة الخرطوم، واستشهدت بما سمعت من شاوراب والرَّيَّح، قائلة:

ـ "في أولاد مساكين بيقيفوا في شارع الـ main في الجامعة يصرِّخوا بأعلى صوتهم عاوزين شاي الصباح عاوزين شاي المغربية .. ياي .. مساكين يا بابي"!
الخميس


منذ نيله زمالة الامتياز بمركز ودرو ولسون الدولي للدراسات والبحوث بواشنطن في أكتوبر الماضي، لم يضيِّع صديقي العزيز د. نور الدين ساتي ساعة واحدة، كما توقعت تماماً. فما كادت تنقضي خمسة أشهر على ذلك حتى كانت ثمرة جهده جاهزة للنشر بعنوان: (بصيص أمل في بحر الظلمات: النزاعات والبناء القومي وتحديات التكامل في إقليمي البحيرات العظمى والقرن الأفريقي).

ولئن أوحى العنوان، للوهلة الأولى، بأن المحاور التي اشتغل عليها د. ساتي بعيدة عن همِّنا الوطني، فإنها، في حقيقتها، شديدة الفائدة للمهتمين بتفريج هذا الهمِّ، بما تقدِّمه من تجارب مداخل ومناهج أخرى في حلِّ النزاعات. وما من راشد يمكن أن يستبعد ما تذخر به تلك التجارب من حكمة قد تعيننا، نجحت أم أخفقت، لجهة حلِّ نزاعاتنا في دارفور، أو أبيي، أو النيل الأزرق، أو حتى الشرق وأقاصي النوبة، دَعْ الجنوب الذي لم يعُد يفصلنا عن يوم قيامته، تعزيزاً للوحدة أو ارتكاساً في خيار الانفصال، غير أقلِّ من عامين!

قيمة الكتاب تستند، بلا شك، إلى خبرة ساتي الطويلة في هذا المجال. فقد عمل سفيراً للسودان، خلال الفترة من 1975 إلى 1991م، في كلٍّ من بروكسل وإنجمينا وباريس. كما عمل، إلى ذلك، محاضراً للغة الفرنسيَّة والأدب الفرانكفوني الأفريقي بجامعة الخرطوم، ومستشاراً دولياً بالمركز الأفريقي للتكنولوجيا بداكار، ومستشاراً لليونسكو في مجال ثقافة السلام بمنطقة البحيرات والقرن الأفريقي. وفي 1998م عُيِّن مديراً لبرنامج اليونسكو التجريبي، وممثلاً للمنظمة في هاتين المنطقتين، بالتركيز على بورندي، والكنغو الديموقراطيَّة، والصومال، مِمَّا أتاح له التصاقاً حميماً بعمليَّات السلام في بورندي والصومال، ومراقبة وثيقة لعمليَّة سلام الكنغو الديموقراطيَّة بلوساكا، ومسار الحرب في جنوب السودان، فضلاً عن جهود التحضير الأولى لـ (مؤتمر إقليم البحيرات العظمى) الذي طوَّر، لاحقاً، (معاهدة البحيرات العظمى للسلام والأمن والتنمية). وفي 2001م أصبح ساتي مديراً لمكتب اليونسكو لشراكة دار السلام. وفي 2002م جرى تعيينه نائباً للممثل الخاص بالمكتب السياسي للأمم المتحدة في بورندي. وفي 2004م أصبح نائباً للممثل الخاص للسكرتير العام ببعثة الأمم المتحدة لحفظ السلام ببورندي، ثم القائم بأعمال الممثل الخاص للسكرتير العام للأمم المتحدة من أبريل إلى ديسمبر 2006م. وفي سبتمبر 2008م تقاعد من العمل في اليونسكو، ومُنح، ابتداءً من أكتوبر 2008م زمالة الامتياز بمركز ودرو ولسون بواشنطن.

وفي الثلاثين من مارس 2009م نظم برنامج أفريقيا بمركز ودرو ولسون محاضرة دعا إليها لفيفاً من الأكاديميين والمتخصِّصين والباحثين، وأدارها السفير هاورد ولبي، مدير البرنامج الأفريقي بالمركز، والعضو السابق بالكنغرس لسبع دورات، والمبعوث الخاص السابق للرئيس الأمريكي إلى إقليم البحيرات العظمى، حيث قدَّم ساتي عرضاً لكتابه القيِّم الذي يعكس ويناقش أهم ملامح النزاعات المشار إليها، من حيث التاريخ، والأصول، وجذور المسبِّبات، ثمَّ يدرس أبرز الحالات، كبورندي، وأثيوبيا، والصومال، والسودان. ويؤكد الكتاب أن هذه النزاعات ليست قدراً مسطوراً على جبين القارة، أو منطقتي الدراسة تحديداً، وإنما يمكن تفاديها مستقبلاً، بشرط الالتزام بالمداخل والمناهج الصحيحة في ما يتصل بالتسويات السلميَّة. ويرى أن التكامل الإقليمي، مع دعم ومعاونة المجتمع الدولي، كفيل بتحقيق السلام والاستقرار في هذا الجزء من العالم.


د. ساتي، العضو المؤسِّس باتحاد الكتاب السودانيين، عاد ليستقرَّ في السودان نهائياً؛ فهل نعشم في أن ينظم الاتحاد محاضرة عامَّة له ولكتابه؟!

الجمعة:

يأسرني في السينما الجيِّدة، فضلاً عن المضمون الفاره، وحركة الكاميرا الذكيَّة، والمشاهد المصمَّمة بإتقان، الحوار الذكي الذي لا حرف فيه يطيش ولا كلمة تضل. من هذا النوع شاهدت مؤخَّراً، ولأوَّل مرَّة، فيلم (تخيُّلُ الأرجنتين ـ Imagining Argentina) الذي تدور أحداثه في بلدة أرجنتينيَّة صغيرة يدير مسرحاً متواضعاً فيها مخرج شاب من أهل البلدة (أدى دوره، باقتدار فذ، أنطوني فالديرس)؛ لكن ذلك المخرج كان يتمتع، إلى فنه، بطاقات روحيَّة غير عاديَّة تمكنه من رؤية المختفين، وأماكن اختفائهم، والقمع الوحشي الذي كان يمارسه ضدَّهم زبانية الجنرالات الغلاظ الذين كتموا أنفاس البلاد بأسرها تحت وطأة أبشع صنوف الديكتاتوريَّة العسكريَّة، خلال الفترة ما بين 1976 ـ 1983م. لذا كان ذوو الضَّحايا اليائسون يلجأون إليه، مكلومين، ليكشف لهم عن مصائر ذويهم، حيث كان قد جرى اعتقال وتعذيب وقتل عشرات الآلاف، فضلاً عن اختفاء ما لا يقلُّ عن ثلاثمائة ألف رجل وامرأة وطفل! وبرغم نهاية تلك الحقبة السوداء من تاريخ الأرجنتين، قبل زهاء ستٍّ وعشرين سنة، إلا أن الذاكرة والوجدان الشعبيين ما زالا ينوءان بغضب عارم على تلك الجرائم، وسخط لا ينقضي إزاء ترتيبات العفو الذي أصدره كارلوس منعم، عام 1990م، عن معظم مرتكبي تلك الانتهاكات!

من أمتع جوانب الحوار في هذا الشريط البديع حديث فالديرس لذوي الضحايا، والفيلم يقترب من نهايته، مع خواتيم تلك السنوات السبع العجاف، قائلاً: "الأمور تتغير بسرعة، لكنني أريدكم أن تفكروا في هؤلاء الجنرالات الذين لا يقلقون بشأن من اختفوا، والذين لم يتركوا للكثيرين غير محض ذكرى وجوه! إنهم سيحاولون، عمَّا قريب، نسيان تلك السنوات كما لو لم تكن قد كانت؛ عندئذٍ سيتحتم علينا أن نبقي الحقيقة حيَّة. إنهم يدركون أن أيامهم صارت معدودات، لذا يسارعون الآن لإفراغ السجون، ودفن الجثث، وإتلاف الملفات، ودعوة الصحفيين الأجانب وناشطي حقوق الإنسان، قائلين: أنظروا .. ها هي الصحافة حُرَّة، والمسارح مفتوحة، والمهرجانات في الشوارع، وقد انتهى الأمر! لكنَّ ما يضمرون قوله، في الحقيقة، دون أن يصرِّحوا به، هو أن الأمر لن ينتهي، بالنسبة إليهم، قبل المرَّة القادمة"!



السبت:

إنتهت فصول مأساة بئر الثورة التي ابتلعت ضحيَّتيها إقبال وقيع الله وبابكر المبارك، عليهما رحمة الله، دون أن تنتهي سيرة إخفاقات الدِّفاع المدني المتكرِّرة في ما تمضغ وتثفل مجالس الناس صباح مساء! فلسوء حظ هذا الدفاع المدني تزامنت مع حادثة البئر حادثتان أخريان كشفتا، أيضاً، عمَّا يعاني من قصور! الحادثة الأولى هي الحريق الذي شبَّ في مبنى مجاور لمكاتب الحركة الشعبيَّة بالمقرن، وامتدَّت ألسنة نيرانه إلى هذه المكاتب، وأبلغ الدفاع المدني، فوراً، لكنه أخفق في الوصول حتى انقضت 48 دقيقة بالتمام والكمال، ليتضح، بعد ذلك كله، أن إمداد الماء بعربة الإطفاء التي جاء بها لم يكن كافياً، مِمَّا اضطره لطلب عربة إضافيَّة استغرق وصولها زمناً آخر حتى احترقت، كلياً، أجزاء من المبنى تحوي مستندات الحركة (أجراس الحريَّة، 21/4/09). أما الحادثة الأخرى فهي انحباس المواطن عاطف عابدين من منتصف الظهيرة حتى الثالثة عصراً، في مصعد عمارة الهلالي بالخرطوم، إثر انقطاع التيار الكهربائي، فجأة، وهو بداخله! الشاهد أن بعض المواطنين أبلغوا الدفاع المدني، لكنه تلكأ، حتى اضطروا لتحريك التروس، بأياديهم العارية، وإنقاذ عاطف بأعجوبة، ليحضر الدفاع المدني بعد ذلك (المصدر).
و .. هل، تراه، يحتاج الأمر إلى تعليق؟!

الأحد:


خطب المنصور يوماً فقال:

"منذ أن وُليت عليكم رفع الله عنكم الطاعون"!

فقام له رجل في المجلس قائلاً:

ـ "لأن الله أكرم من أن يجمع علينا المنصور والطاعون"!
سودانايل:
كمال الجزولي
kamalgizouli@hotmail.com

نشر بتاريخ 09-05-2009  


أضف تقييمك

التقييم: 8.84/10 (525 صوت)


 





المركز السوداني

---------------

جريدة الصحافة

--------

جريدة الوطن

--------

قوون الرياضية

-----------

جريدة المشاهير

------------


 
البطاقاتϖالجوالϖالصورϖالصوتياتϖالفيديوϖالمقالاتϖالأخبارϖالمنتدياتϖالرئيسية
Powered byv2.0.0
Copyright © dciwww.com
Copyright © 2008 www.sudanja.net - All rights reserved