جمعية الصحفيين السودانيين ،،

المقالات
جديد.. جديد
أبعاد الدور القطري في المنطقة

 
ميدل ايست اونلاين


شهد الدور القطري بروزاً لافتاً في المنطقة خلال الأعوام الثلاثة الأخيرة، بدت معه الدوحة وكأنها لاعب إقليمي رئيسي. وقد نجم هذا النشاط أو البروز عن دينامية استثنائية في التحرك الدبلوماسي وصناعة القرار القطري، وعن قدرة مميزة على ملء الفراغات التي أحدثها الانقسام العربي-العربي من جهة، وضعف أدوار دول تقليدية من جهة أخرى، ما سمح للدوحة في فرض نفسها حَكَماً وحلّالاً لكثير من مشكلات المنطقة، ساعدها في ذلك تعقد المشهد الإقليمي، وما تملكه من إمكانات مالية كبيرة، توظف اليسير منها في خدمة صناعة صورة للإمارة تتجاوز حجمها الجغرافي والبشري، لتضحي لاعباً على المسرح الدولي. وقد بدأ دور قطر الفعلي في الظهور حين كسرت بعض المحرمات في السياسة الخليجية؛ فأطلقت قناة لا سقف لشعبويتها المناقضة لنمط الإعلام الدولتي الخليجي، ومتّنت علاقاتها مع طهران رغم التوتر الإيراني مع معظم دول مجلس التعاون.


وقبل انطلاق الدور القطري المختلف والمميز بعد هجمات 11 سبتمبر 2001، كانت سياسات الدوحة منذ عام 1995 توحي بأنها ليست جُرماً في الفضاء الخليجي، وأنها تريد أن تكون "نسيجاً مختلفاً" في مجلس التعاون الخليجي بعيداً عن إحراج الإجماع وعن عين "الأخ الأكبر"، وهي تمكنت من ذلك في العقد الأخير، مستفيدة من غياب النظام العربي، والانقسام الذي سببته حرب العراق وأحداث لبنان، وانشطار العرب بين معسكري الممانعة والاعتدال.


غير أن الرفض المصري لحضور قطر "مؤتمر تكريس المصالحة" في الرياض في الأسبوع الثاني من شهر مارس/آذار 2009 أتى ليوجه رسالة إلى الدوحة مفادها "كفى لعب أدوار في غياب الكبار"؛ فمرحلة الانقسامات الحادة بدأت بالانحسار، والمحور السعودي-السوري-المصري عائد إلى ساحة العمل الدبلوماسي والسياسي ما يفرض انكفاء اللاعبين الصغار.


لم تنطلق القاهرة في موقفها هذا من فراغ، فهي ترد الكرة إلى قطر التي تجاوزت في موضوع غزة الخطوط الحمراء، من وجهة نظر القاهرة، لكن الموقف المصري فاجأ السعوديين، فهم اعتقدوا أن حضور الدوحة حاصل بصفتها المضيف لمؤتمر القمة العادي، وتمنوا على الكويت المشاركة لئلا تصبح قطر رابعة الكبار الإقليميين المتصالحين. ولا شك في أن اللقاء الرباعي، الذي "طوى صفحة" الخلافات، أعاد وصْل ما انقطع بين الرياض ودمشق وطهران وحجّم مؤقتاً الدور القطري في انتظار إعادته إلى حجمه الطبيعي.


لا يمنع ما تقدم من الإقرار بالقدرات الدبلوماسية التي برهنت عنها الدوحة. فهي، إذ لا تصاب بالإحراج من أي موضوع، قادرة على ابتلاع الصدمات ومحاولة القفز إلى الواجهة من جديد. فالسنوات القليلة الماضية أكدت جرأتها وجسارتها في إقامة علاقات قوية مع "حزب الله"، وفي تبنٍ شبه كامل لحركة "حماس". وإذا كانت العلاقة مع الحزب سمحت لها بتحقيق نجاح دبلوماسي غير عادي عبر "اتفاق الدوحة" في مايو/أيار 2008؛ فإن الالتصاق بالحركة وضعها أيضا أثناء "حرب غزة" في قلب الأحداث، لكنه أفقدها كثيراً من بريق النجاحات.


كانت ذروة التألق الدبلوماسي القطري في مايو 2008 بعيد قيام "حزب الله" بـ "غزوة بيروت". فحين وصل المأزق الداخلي اللبناني إلى نقطة خطرة تتطلب تسوية إلزامية يعجز عنها الفريقان المتخاصمان المدعومان من مصر والسعودية، أو من سوريا وإيران، كان الدور القطري حاضراً، فاستضافت الدوحة القادة اللبنانيين المختلفين؛ حيث أمضوا خمسة أيام وقعّوا إثرها "اتفاق الدوحة"، الذي رفع الاعتصام من وسط بيروت، وفتح مجلس النواب وانتخب ميشال سليمان رئيساً توافقياً، وأقر حكومة اتحاد وطني بثلث معطل وقانون انتخابات.


استفادت قطر في تلك اللحظة من الخلاف السعودي-المصري مع دمشق؛ فظهرت على الشاشة بحجم علاقات غير عادي مع كل الفرقاء وبتغطية دولية رعتها فرنسا على وجه الخصوص فحققت نجاحها، وبدا كأنها تمنح اللبنانيين اتفاقاً يوازي "اتفاق الطائف" الذي وقع في المملكة في عام 1989 منهياً حروب لبنان.


وظهر الدور القطري من جديد بعدما أخذت "حماس" خيار الانتحار، وأنهت التهدئة مطلقة العنان لآلة الإجرام الإسرائيلية. فالدوحة، التي طالما استضافت خالد مشعل وموّلت حركته وحكومة إسماعيل هنية بعد الانقلاب على شرعية محمود عباس، لم تكن تستطيع الوقوف متفرجة إزاء قيام تل أبيب بتدمير الحركة، خصوصاً أنها تشعر بالتزام متعدد الأبعاد تجاه "حماس". فهي تستضيف الشيخ القرضاوي الذي أفتى بجواز العمليات الانتحارية ضد الإسرائيليين، وأنشأ منظمة "ائتلاف الخير" لتسهيل نقل الأموال إلى الحركة، وهي تنسج مع سوريا وإيران الراعيين الإقليميين القويين أفضل العلاقات، وهي "تستثمر" في كل الاتجاهات في انتظار الوفاء بالدين أو قطف الثمار.


لا تريد الدوحة الاعتراف بالنكسة الدبلوماسية التي أصابتها حين فشلت في عقد مؤتمر قمة عربي بمن حضر يوم 16 يناير/كانون الثاني 2009 لسرقة الضوء من قمة الكويت الاقتصادية بعد ثلاثة أيام من ذلك التاريخ أو على الأقل لبعثرة الأوراق. وحتى اليوم لم يفهم ذلك الإصرار المبالغ فيه، علماً أن الدوحة جوبهت برفض في قمة مجلس التعاون الخليجي نهاية العام المنصرم حين طرحت الموضوع.


لم تقدِّر الدوحة، على الأرجح، أن الدور المصري هو الحاسم في موضوع غزة، وأن المبادرة المصرية لإعادة الهدوء لا يمكن تجاوزها، فسقطت في فخ الثقة المفرطة في النفس، وجاءت قمة الدوحة بلا غطاء شرعي عربي. وحين حاولت التعويض بحضور نجاد، إضافة إلى خالد مشعل بدلاً من عباس، جاءتها الردود العنيفة من كل صوب لتنتقد "العبث بالتمثيل الفلسطيني!". ويبدو أن الدوحة لم تستخلص الكثير من تجربتها غير الموفقة تلك، فكررت محاولاتها بالدعوة إلى مؤتمر لإعمار غزة لديها، فلم تفلح، وانعقد في شرم الشيخ؛ حيث مكانه الجيوسياسي الطبيعي.


لا يمكن إدانة قطر على أي مساع حميدة؛ فدورها في النهاية يهدف إلى توفيق من وجهة نظر فريق ما، هكذا حاولت تحقيق "اتفاق دوحة" آخر يتعلق بدارفور؛ وإذ لم تصل آمالها في هذا الإطار إلى خواتيمها المرجوة، فإنها ضربت موعداً لسرقة الأضواء من جديد في القمة العربية، حين قررت استقبال الرئيس عمر البشير، على الرغم من أن المحكمة الجنائية الدولية طالبتها باعتقاله إذا هبطت طائرته في المطار.


لا أحد يستطيع نكران النشاط القطري لكسب موقع على الخريطة الدبلوماسية في الخليج والإقليم والعالم، فهو دور صار يتمتع بشهرة توازي شهرة دبي في الاقتصاد، لكن هذا الدور ما كان ليأخذ هذا الحجم وهذا الاتجاه لو أن النظام العربي لم يتعرض للتفكك منذ مطلع التسعينيات مع مغامرة صدام في احتلال الكويت، ولم يكن ليتكرس لولا الصعود الإيراني الاستثنائي في الإقليم.


اليوم ومع عودة العرب إلى حد أدنى من المصالحات يؤمل أن يبقى الدور القطري ناشطاً في سبيل التوافقات، ومُحجماً عما هو من طاقة الدول الإقليمية الأكبر التي يمكنها أن تضمن تفاهمات أكثر ديمومة تؤمن مصالح العالم العربي وأدوار الكبار والصغار. (قضايا الساعة - مركز الامارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية)


بشارة نصار شربل

نشر بتاريخ 30-03-2009  

 

أضف تقييمك

التقييم: 7.68/10 (553 صوت)


 





المركز السوداني

---------------

جريدة الصحافة

--------

جريدة الوطن

--------

قوون الرياضية

-----------

جريدة المشاهير

------------


 
البطاقاتϖالجوالϖالصورϖالصوتياتϖالفيديوϖالمقالاتϖالأخبارϖالمنتدياتϖالرئيسية
Powered byv2.0.0
Copyright © dciwww.com
Copyright © 2008 www.sudanja.net - All rights reserved