الطقس السيئ والأزمة الاقتصادية والتراجع المستمر في معدلات شراء الكتاب، هذه الأسباب ليست وحدها وراء افتقاد معرض القاهرة الدولي للكتاب لبريقه في جذب المثقفين خاصة وجماهير المصريين عامة، لكن هناك أسبابا أخرى ترتبط بضعف القضايا المطروحة على طاولة مناقشاته، ودعوته لأصوات تفتقد القدرة على الصراحة والشفافية وتلتزم جانب النظام المصري.
د.عمار علي حسن أكد هذا الأمر "فقد معرض القاهرة الدولي الكتاب الكثير من بريقه، منذ أن تم إبعاد السياسة والقضايا الحياتية الجارية عن ندواته. فقديما كانت الجماهير تزحف بالآلاف قاصدة ندوة بعينها، أو مناظرة ما، مثل تلك التي جرت بين الشيخ محمد الغزالي وفرج فودة، وكان هذه الندوات قادرة على صنع أخبار ساخنة تتداولها الصحف والشاشات الزرقاء، مثل تلك التي كان يحاضر فيها الأستاذ محمد حسنين هيكل".
كان المعرض من وجهة نظر العديد من المثقفين حدثا جللا، يشد الناس له الرحال من كافة ربوع مصر، ليتزودوا منه بما يقتاتون عليه معرفيا طيلة السنة، لكنه اليوم في رأي د.عمار "انصرفت الجماهير عن الشراء إلى اللهو والمأكل والمشرب، وكأنها ذاهبة إلى حديقة عامة، وزاد الطين بلة ارتفاع أسعار الكتب، وجشع الناشرين، وتحمسهم لأعمال تافهة أو سطحية، وعدم أمانتهم في طرح قوائم "الأكثر مبيعا"، وفقدانهم القدرة على تعبئة الجمهور وجذبه إلى المعرض أولا، وإلى صالات بيع الكتب ثانيا، ثم إلى الشراء ثالثا، يضاف إلى هذا العوامل التقليدية التي أدت إلى انخفاض مستوى الإقبال على الكتب، مثل لجوء الشباب إلى الإنترنت بحثا عن المعرفة، والتوسع الرهيب في الفضائيات، وعدم وجود نظام تعليمي يحرض التلاميذ على القراءة منذ الصغر، وتراجع دور التعليم والثقافة في الحراك الاجتماعي، وفقدان الثقة في أغلب المثقفين نظرا لتواطؤهم مع السلطة."
الكاتب الروائي عزت القمحاوي رأى خلاف ذلك أن المعرض هذا العام أقل فوضى وأكثر انضباطاً، "الحدث السعيد هذا العام هو عودة المقهى الذي ألغي العام الماضي فضاعت معه ثلاثة أرباع أهمية المعرض بالنسبة للمثقفين تحديداً، ولا أتكلم عن القارئ العريض، وأظن أن عددا كبيرا من مثقفي العالم العربي أصبح المعرض بالنسبة له مكانا للقاء على مدى سنوات طويلة، ويمكن التلاقي من دون مواعيد في المقهى. كنت في سويسرا مؤخراً والتقيت بالروائي جميل عطية إبراهيم الذي سألني إن كان المقهى سيعود، لأنه في العام الماضي حضر خصيصا وعندما علم بإلغائه لم يذهب".
استدرك "لكن عدد العناوين الجديدة أقل، وهذا مسئولية الناشرين لا الجهة المنظمة، وأظن أن قلة العناوين الجديدة وخصوصاً في الرواية يعود إلى تغير مواسم النشر، التي أصبحت مصاحبة لمواسم التقديم للجوائز لا بدايات معارض الكتب، الكتاب لا يشترون الكثير من الكتب أثناء المعرض، لأنهم يتابعون طوال العام ويتبادلون الإهداءات فور صدور الكتب".
ويضيف "أما بخصوص الندوات واللقاءات فلست من محبيها، لا متكلماً ولا مستمعاً إلا فيما ندر، لكن أيضاً أتخيل حاجات المهتمين بها، وأظن أن المشاركة العربية تكاد تكون معدومة في ندوات المعرض. وأظن أن تقليل المشاركة العربية بدأ منذ سنوات كنوع من رد الفعل على العشوائية والتوسع الشديد في دعوات المعرض خلال رئاسة سمير سرحان له، لكن الحل في الانتقاء وليس في إلغاء الوجود أو ما يشبه الإلغاء، وعلى الرغم من تغير قيادة الهيئة المنظمة، هيئة الكتاب للأفضل فيما أظن، فإن الأسوأ الذي ينتظر معرض الكتاب قادم والأمر ليس بأيديهم، حيث ستجري عمليات هدم وبناء في أرض المعارض وسينتقل المعرض لمدة أربع سنوات قادمة إلى قاعة المؤتمرات، أي أن مساحة العرض والنشاط الثقافي ستتقلص إلى الثمن تقريبا".
المترجم والشاعر والناشر د.طلعت شاهين وصف المعرض هذا العام بأنه شبه "ميت" وقال "أنا عادة لا أزور المعرض يوم الافتتاح الرسمي تجنبا لمضايقات الأمن التي تعتبر الافتتاح حفلا حكوميا، وغير مسموح للمثقفين حضوره إلا من رضيت عنهم مباحث أمن الدولة وأمن الرئاسة، وكانت زيارتي الأولى اليوم التالي الجمعة، فوجئت مثل غيري بأن الدخول ممنوع إلا بعد الثانية مساء وهو أمر غريب يوم العطلة الرسمية الذي تخطط له الأسر المصرية لقضائه خارج البيت، والمعرض مناسبة للتجول حتى وإن لم تكن نية شراء الكتب موجودة، وعندما يكون الدخول بعد الظهر إذا يجب البحث عن مكان آخر أصلح وأبعد عن مضايقات البوليس المصري بكل فروعه."
واضاف "أما بعد الزيارة فقد أصبح لدي يقين بأن المعرض ضل طريقه من أين يكون واجهة للثقافة والمثقفين ليصبح مجرد حفل افتتاح يحضره وجوه القوم من السياسيين، وبعض من ترضى عنهم الرئاسة ومباحث امن الدولة، ولتبادل الكتب بين الناشرين والعارضين، وربما يفسر هذا إحجام عدد كبير من الناشرين المشاركة في المعرض بعد أن أصبحت خسائره أكثر من مكاسبه".
وبالنسبة للجانب الثقافي فيتفق د.طلعت مع أغلبية المثقفين في كونه غاب بغياب الحوار الحقيقي في ندواته التي اقتصرت على الوجوه المكررة التي ترسم نفسها كل عام للظهور على المنصات وشاشات التليفزيون دون حوار حقيقي لأن الوجوه مكررة والموضوعات مكررة والكلام مكرر و"لا اعتقد أن شيئا سيتغير ما لم يتغير النظام لان المعرض مثله مثل كل سياسات هذا النظام لن يصيبه تغيير ما لم يتغير النظام وتغيير الوزارات لن يجدي لأن من يختار الوزراء هو النظام ولا يملك أي وزير أن يفعل ما لا يمليه عليه النظام، ولا فائدة من شيء ورحم الله المعرض كجزء من جنازة الثقافة".