من الأخطاء الجوهرية التي نقع فيها ونحن نتحدث عن الثقافة المصرية, ونلاحظ تراجعها ونخطط لمرحلة جديدة تنهض فيها وتستعيد نشاطها وفاعليتها, فصلنا بين العلم والعمل, بين الفكر والفعل, بين الكلام والسلوك.
حين تقع أعيننا علي ما يصنعه تلاميذ المدارس في هذه الأيام, ونسمع ما يقوله بعضهم لبعض, وما يرفعون به أصواتهم في الطريق العام نشعر بالألم والحسرة ونسأل أنفسنا: ما الذي يتلقاه إذن هؤلاء في المدرسة علي أيدي أساتذتهم ومعلميهم؟ لاشك في أنهم يعلمونهم الفرق بين ما يقال وما لا يقال, ويقربون لهم معني الحق والخير والعدل والجمال. لكنهم يرون كما نري أن ما يصنعه تلاميذهم في الشارع, وربما في فناء المدرسة يتناقض كل التناقض مع هذه القيم.
ونحن لانكف عن رفع الشعارات والاستشهاد بالاحاديث والآيات, لكن ما أبعد القول عن السلوك. نطالب الناس باحترام القانون لكننا نتركهم يخرجون عليه آناء الليل وأطراف النهار, علي مرأي ومسمع من رجال الأمن الذين يملأون الشوارع, دون أن يأبهوا للتجاوزات والمخالفات التي تؤدي الآن جماعة كما تؤدي الشعائر الدينية, ويبدو كأننا قررنا أن نجعل حياتنا اليومية تدريبا عمليا علي الخروج المنظم علي القانون. وإلا فمن هو قائد السيارة الذي يحترم قواعد المرور؟ ومن هو العابر علي قدميه الذي يلتزم هذه القواعد؟ نعم, الشوارع أصبحت مكتظة بالماشين والراكبين. لكن الازدحام أيا كانت درجته لايبرر كسر الاشارة التي أصبحنا نكسرها دون ازدحام. كما أن الجوع لايبرر السرقة التي تفشت في الجوعي والمتخمين علي السواء, والتهاون في تطبيق القانون المكتوب المستمد من قيم العصر ومبادئه يسمح بفرض قانون آخر يستند للقوة ويعتمد علي التخويف والارغام, أو يستند للعادات التي فرضتها ظروف لم يعد لها وجود.
انظروا مثلا إلي تلك العادات والتقاليد التي تستجلب أو يعاد استجلابها في مصر ونجد حتي في بعض المشتغلين بالسياسة والإدارة والفتوي الدينية والإعلام من يقبلها ويشجعها في بعض الأحيان.
نحن مازلنا نتعاطف مع الذين يرتكبون جرائم الثأر ويقتلون البنات والاخوات والأمهات بحجة الدفاع عن الشرف الذي لايتورعون عن تلطيخه حين يلوح لهم بعض البدو بالمال فيزوجونهم فتياتهم القاصرات زواجا لا يختلف عن النخاسة أو الدعارة. ولقد اصبحنا نقرأ عن قتلة يدفعون الديات لأهالي الضحايا, وعن مطلوبين للثأر يحملون أكفانهم علي أيديهم ويذهبون بها لطالبي دمائهم في مظاهرة تبدو كأنها عيد من أعياد الصحراء أو طقس ديني, يحضرها نواب الدائرة وكبار رجال الامن ومندوبو الصحف الذين يتحدثون عن هذه التقاليد البدائية وكأنها هي القانون الطبيعي, أو هي النهاية السعيدة للخصومة مع أنها لا تعدو أن تكون حلقة من حلقاتها. فإذا كانت قد ساعدت في إنهاء بعض الخصومات فهي تنقذ فردا وتعرض المجتمع كله للخطر الشديد لانها تهدم قوانينه, ولا تلتفت لمعني الحق العام.
حين يعتدي مواطن علي مواطن لايقع العدوان علي فرد واحد, وإنما يقع علي الجماعة كلها, لأن الجماعة تحقق الأمن لنفسها حين تحققه لكل فرد فيها. وهي من أجل ذلك تضع القانون الذي لابد أن يلتزم به الجميع, وتفصل مواده, وتحدد شروط تطبيقه بما يجعلها طرفا أساسيا في الخصومة, فاذا تجاهلنا القانون أو تجاوزناه تجاهلنا وجود الجماعة واسقطنا حقها وعدنا بها إلي الزمن الذي لم تكن فيه موجودة كجماعة وطنية مترابطة وإلي الزمن الذي كانت فيه حياة الإنسان رخيصة تقدر بالمال. فالدية..نظام نابع من حياة الصحراء التي تقوم علي الغزو والسلب وتقدير العمل أوالشخص بما له من نفع مباشر أكثر من تقديره بقيمته الذاتية أو المعنوية. هكذا كانت البنت توأد لأنها تحتاج للطعام والحماية ولاتشارك في القتال. وكان القاتل يدفع ثمن القتيل. وكان الأسري والسبايا يباعون لمن يدفع الثمن كما تباع الأغنام والإبل.
وكما تميز العادات القديمة بين الغني والفقير تميز بين الرجل والمرأة وتميز بين المذهب والمذهب وبين الدين والدين, فإذا شجعنا العودة إلي هذه العادات المتخلفة, فنحن نعتدي علي مبدأ المواطنة ونفرق بين المصريين والمصريين, ونتحدث عن الدولة المدنية باللسان وننهال عليها بالمعاول.
حين أري أن ما يسمي نقابات الاشراف التي اختفت واندثرت منذ نصف قرن يعاد إحياؤها أجد في ذلك تشجيعا للتمييز لااستطيع أن أجد له تفسيرا أوتبريرا.
يستطيع من شاء أن ينتسب لمن شاء لكنه لايستطيع أن ينفرد بالشرف الذي خص به نفسه, فهو ليس وحده الشريف, إنما المصريون كلهم شرفاء, الفقراء قبل الاغنياء, والمرأة قبل الرجل, والمسلم وغير المسلم.
وحين أري زيارات تنظم لبعض الساسة الضيوف لمناطق صحراوية يعتقد هؤلاء أن سكانها ذوي الاصول البدوية يمتون لهم بصلة القربي أجد في ذلك تمييزا وتشجيعا لنعرات لاتمت لمصر بسبب, لكن هناك من يحاولون زرعها والاستفادة من ورائها. وهذا لعب بالنار في هذه الأيام التي نحتاج فيها أشد الحاجة لإعلاء شأن المواطنة, وتأكيد قيمة المساواة, ودعم الوحدة الوطنية التي تعرضت للتصدع, واستعادة احترام الناس للدولة التي لم يعد الخروج عليها وعلي قوانينها نبأ مدهشا.
***
نحن نري اذن أن الذين يوسخون شوارع المدينة بعباراتهم البذيئة يوسخونها بما يلقون فيها من فضلات, ونفايات, وأن الخارجين علي قواعد المرور يشجعون الخارجين علي القانون. وأن سياسة التخويف والإرغام ليست متبعة في مجال واحد, بل في كل مجال, وأن التمييز بين المرأة والرجل يؤدي إلي التمييز بين الرجل والرجل, وبين الدين والدين, وأن العودة إلي التقاليد البالية لا تقف عند حد, وإنما يجر التقليد إلي التقليد. دفع الدية يسقط حق الأمة في تنفيذ قوانينها, ويشجع المطالبين بالقطع والرجم والجلد,. والأمة التي يسقط حقها في تنفيذ القوانين يسقط حقها في وضعها وتعود من جديد للعصور الوسطي, وتستسلم للخرافة والطغيان بل نحن بهذه العادات والتقاليد نخرج من حدود مصر كلها ونتحول إلي بدو رحل!
نحن إذن لا نقع في خطأ واحد حين نفصل بين الفكر والعمل, وحين نتحدث عن الثقافة في الصحف والكتب وننتهك قيمها في الشارع, بل تتوالي أخطاؤنا نتيجة لهذا الفصل فلا نري ما يجمع بين خطأ وخطأ آخر ولاندرك أن أفعالنا التي تتناقض مع أقوالنا ليست مجرد أخطاء نقع فيها, وإنما هي ثقافة أخري تسعي قوي الظلام والفساد والاستبداد لإحلالها محل ثقافة النهضة التي تراجعت في العقود الستة الأخيرة, وتلك هي المعركة التي يجب أن يخوضها المثقفون المصريون لا دفاعا عن اشخاصهم لكن دفاعا عن قيم العصر, وعن مكانهم الذي فقدوه حين فقدوا في ظل الطغيان حريتهم واستقلالهم, وأصبحوا أجراء يقولون بالطلب ويسكتون بالطلب. وقد آن لهم أن يرفعوا الراية التي سقطت من أيديهم ويستعيدوا مكانهم في المجتمع ودورهم الرائد في حياة بلادهم, ولعل البداية أن تكون في مؤتمر المثقفين.
*نقلاً عن "الأهرام" المصرية
نشر بتاريخ 04-02-2010 |