جمعية الصحفيين السودانيين ،،

المقالات
جديد.. جديد
عصر ازدهار القانون الدولي أم انهياره؟

 


عصر ازدهار القانون الدولي أم انهياره؟
د. حسن نافعة
أستاذ العلوم السياسية جامعة القاهرة

منذ أيام , أصدر موريس مورينو أوكامبو, المدعي العام أمام المحكمة الجنائية الدولية، تقريراً يطالب فيه الدائرة التمهيدية المختصة بأن تصدر أمراً بالقبض على الرئيس السوداني عمر حسن البشير تمهيداً لمحاكمته بموجب النظام الأساسي للمحكمة. وقد استند المدعي العام في طلبه هذا إلى معطيين أساسيين:
الأول: قرار مجلس الأمن بإحالة ملف انتهاكات حقوق الإنسان في دارفور إلى محكمة الجنايات الدولية. ولأن المادة 13/ب من النظام الأساسي لهذه المحكمة تجيز لمجلس الأمن، حين يتصرف بموجب الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة، «أن يحيل على المدعي العام حالات قد ترتكب فيها جريمة أو أكثر من الجرائم المبينة في النظام الأساسي لمحكمة الجنايات الدولية»، فقد اعتبر المدعي العام أن محكمة الجنايات الدولية باتت هي المختصة بمعالجة ملف دارفور وفق النظام الأساسي لهذه المحكمة على رغم أن السودان ليس طرفاً في هذا النظام.
الثاني: تقارير دولية حصل عليها تشير إلى تعرض قبائل معينة من سكان دارفور لعمليات:
1- قتل جماعي في هجمات قامت بها قوات الجيش السوداني وقوات ميليشيات الجنجاويد المتحالفة معها راحت ضحيتها أعداد كبيرة من البشر تصل إلى 30 ألفاً.
2- تهجير وتشريد أديا إلى نزوح ما يقرب من مليوني شخص تحولوا إلى لاجئين داخل وخارج الإقليم.
3- انتهاكات منظمة لحقوق الإنسان شملت جرائم اغتصاب واعتداءات جنسية متنوعة وتسببت في وفاة ما يقرب من مائتي ألف شخص.
4- حصار وتجويع أديا إلى تدهور حاد في الظروف المعيشية لمئات الألوف وربما لملايين من المواطنين الأبرياء. ولأن المدعي العام قدر أن تلك التقارير تتسم بالجدية الكافية وتتضمن أدلة توجب توجيه الاتهام، فقد طالب في تقريره بإلقاء القبض على رأس النظام الحاكم تمهيداً لمحاكمته أمام المحكمة الجنائية الدولية وفق القواعد المقررة في نظامها الأساسي.
ويعد هذا التقرير، في تقديري، الأخطر والأهم في تاريخ العلاقات الدولية، ومن المرجح أن تكون له نتائج حاسمة تمس مستقبل ومصير القانون الدولي والمؤسسات المتعددة الأطراف، وذلك للأسباب التالية:

1- أنه يعد حالة فريدة في التاريخ. فلم يسبق مطلقاً، في حدود علمي، أن طلبت جهة دولية حكومية إلقاء القبض على رئيس دولة أثناء ممارسته الفعلية للسلطة تمهيداً لمحاكمته. فكل المحاكمات «الدولية» التي جرت من قبل كانت لرؤساء أو لمسؤولين رسميين «سابقين» و «مهزومين»، وتمت وفق قانون وشروط المنتصر. وبالتالي فحين تطالب جهة دولية تتحدث باسم مؤسسة دولية متعددة الأطراف بالقبض على رئيس دولة عضو في الأمم المتحدة تمهيداً لمثوله أمام محكمة دولية في سابقة ليس لها مثيل في تاريخ العلاقات الدولية، فمن الطبيعي أن يشكل إجراء كهذا قفزة كبيرة نحو مجهول يصعب التكهن الآن بكل أبعاده ونتائجه.
2- رتب التقرير بمجرد صدوره نتائج سياسية وقانونية غير معتادة، سواء استجابت الدائرة التمهيدية المختصة في المحكمة الجنائية لطلب المدعي العام أو لم تستجب. ففي حالة الاستجابة يصبح رئيس الدولة السوداني متهماً رسمياً من وجهة نظر القانون الدولي ويتعين بالتالي إيقافه عن العمل وإلقاء القبض عليه، وهو أمر لا يملك المجتمع الدولي وسائل تنفيذه إلا إذا أقدم مجلس الأمن على استخدام القوة المسلحة أو التصريح باستخدامها لهذا الغرض. أما في حالة الرفض فسيصبح المدعي العام في وضع صعب قد يضطره إلى تقديم استقالته، وهو ما من شأنه إضعاف المحكمة الجنائية الدولية والتشكيك في مصداقيتها وربما حتى في جدواها.
3- رتب التقرير، بمجرد صدوره أيضا, نتائج ذات تأثيرات سياسية مباشرة وعميقة على الوضع في السودان بصفة عامة وفي دارفور بصفة خاصة. فمن الطبيعي أن يثير تقرير من هذا النوع ردود أفعال تلقائية حادة جداً سواء من جانب أركان النظام نفسه أو من جانب الشعب السوداني ككل. ففي حالة التجاوب مع قرار المحكمة تصبح احتمالات حدوث انقلاب أو ثورة شعبية تطيح برأس الدولة وتجبره على تسليم نفسه للمحاكمة أمراً وارداً. أما إذا رفض قرار المحكمة والتف الشعب حول رمز نظامه المتهم، وهو الاحتمال الذي بات مرجحاً الآن, فمن شأن هذا الرفض أن يزيد من تدهور الأوضاع الإنسانية في دارفور، وهو عكس ما تسعى المحكمة إلى تحقيقه.
في سياق كهذا، لم يكن غريباً أن تصب ردود الأفعال الرسمية والشعبية على تقرير أوكامبو، رغم اختلاف دوافع ومبررات أصحابها، في اتجاهات ثلاثة:
الاتجاه الأول أيد التقرير وتحمس لتنفيذه. وينقسم أصحاب هذا الاتجاه إلى فريقين، اختلفت دوافعهما إلى درجة التناقض حيث نظر إليه أحدهما من منظور حقوقي بحت بينما نظر إليه الفريق الآخر من منظور سياسي بحت. فقد سعى أصحاب المنظور الحقوقي, والذين تؤرق ضمائرهم أي انتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان، الى إنزال أقصى عقوبات ممكنة بمرتكبي جرائم دارفور من دون انتظار آلية عامة تكفل محاكمة وعقاب كل المنتهكين لحقوق الإنسان في العالم ورأوا في تقرير أوكامبو خطوة هائلة للأمام. أما أصحاب المنظور السياسي، والذين لا تعنيهم حقوق الإنسان إلا بقدر ما تؤثر في مصالحهم الخاصة، فقد دفعهم العداء لنظام البشير، ولأسباب ليس من بينها بالضرورة موقفه من حقوق الإنسان في دارفور, إلى الترحيب بطلب اعتقاله ومحاكمته على أمل أن يؤدي ذلك إلى تذليل عقبات تعترض طريق تنفيذ أجندتها الخاصة في السودان.
الاتجاه الثاني اعترض على التقرير ورفض ما جاء فيه جملة وتفصيلاً. وينقسم أصحاب هذا الاتجاه بدورهم إلى فريقين مختلفين تماماً، حيث استند أحدهما إلى مبررات قانونية والآخر إلى مبررات سياسية. فالفريق الأول يرى أن المدعي العام خالف قواعد مستقرة في القانون الدولي، بقبوله تطبيق النظام الخاص بمحكمة الجنايات الدولية على دولة ليست طرفاً فيه، وأساء استخدام الصلاحيات الممنوحة له، باعتماده على تقارير دولية مشكوك في نزاهتها وإهماله لتقارير أخرى يقول عنها أصحابها إنها أكثر موضوعية وحيادية ونزاهة ومن دون أن يكلف نفسه عناء التحقق مما يجري بزيارة مباشرة للإقليم المنكوب.
غير أن الجدل الذي أثاره تقرير أوكامبو في الصحافة المصرية والعربية لم يتمكن حتى الآن، على رغم اتساع نطاقه وعمقه في بعض الأحيان، من الإحاطة بمجمل مخاطره المحتملة خصوصاً على مستقبل القانون الدولي وطريقة عمل المؤسسات الدولية المتعددة الأطراف. ومن المعروف أن إقرار النظام الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية في 17/7/1998 كان قد فجر آمالا عريضة، خصوصاً بعد موافقة إدارة كلينتون عليه في 31/12/1999، حيث توقع كثيرون دخول النظام الدولي مرحلة جديدة تسمح بإخضاع جميع الدول لأحكام القانون الدولي. غير أن اليمين الأميركي المتطرف بقيادة بوش ما لبث أن أحبط هذه الآمال تماماً عقب وصوله إلى السلطة. فلم تكد تمضي أشهر قليلة حتى قامت إدارة بوش بسحب توقيع الولايات المتحدة على النظام الأساسي للمحكمة. ثم تبين في ما بعد، خصوصاً عقب تفجيرات 11 أيلول (سبتمبر)2001، أن هذا اليمين كانت لديه خطط جاهزة ومعدة سلفاً للسيطرة الإمبراطورية على العالم، من خلال سيطرة عسكرية مباشرة على نفط الشرق الأوسط تبدأ بغزو العراق.

فلسدّ الطريق أمام أي احتمالات تعرض الجنود أو المسؤولين الأميركيين لخطر الوقوع تحت طائلة الوقوف أمام المحكمة الجنائية الدولية في حال قيامهم بارتكاب جرائم تدخل ضمن صلاحياتها، سارعت إدارة بوش إلى إبرام اتفاقيات ثنائية مع معظم دول العالم لتجنيبهم هذا الخطر، مما كان له أكبر الأثر ليس فقط في تضييق نطاق صلاحيات المحكمة وإضعاف آليات عملها ولكن أيضا في منح الولايات المتحدة قدرة فريدة على التحكم في بعض مفاتيح تشغيل نظامها، من خلال مجلس الأمن والمادة 13/ب، من دون أن تخضع هي نفسها لأحكامه.
وللإحاطة بأبعاد هذه المسألة يتعين علينا أن ندرك أمرين على جانب كبير من الأهمية:
الأمر الأول: أن الانتهاكات الجماعية لحقوق الإنسان في دارفور وقعت في سياق معالجة خاطئة لأزمة سياسية محلية أسهمت أطراف خارجية في تفجيرها بتشجيع عدد من الأطراف المحلية صاحبة المصلحة في حمل السلاح والوقوف في وجه النظام الحاكم. ومعنى ذلك أن الانتهاكات الجماعية لحقوق الإنسان في دارفور ستظل مستمرة طالما استمرت الأزمة السياسية.
الأمر الثاني: أن ما يجري في دارفور، على قتامته ومن دون أي محاولة من جانبنا لالتماس أعذار للمتسببين فيه، هو جزء من صورة دولية عامة أكثر قتامة رسمها تقرير الأمم المتحدة المعنون: «عالم أكثر أمناً: مسؤوليتنا المشتركة» والذي أعده الفريق الرفيع المستوى المعني بالتهديدات والتحديات. فقد أكد هذا التقرير أن عدد الذين يموتون أو يمرضون بسبب الفقر والتلوث والأمراض المعدية هو أكبر بكثير من إجمالي عدد الذين يموتون أو يصابون من كل مصادر التهديدات الأخرى.
والسؤال: من المسؤول عن وجود هذه الأوضاع وعن استمرارها خصوصا أن معظمها ناجم في الأصل عن صراعات سياسية مسلحة أو غير مسلحة تغذيها أطراف يتعين أن تخضع جميعا للمساءلة؟ ففي ظل استمرار الأوضاع الدولية الراهنة، يصعب قيام نظام جنائي دولي حقيقي ما لم تقبل جميع الدول الأعضاء في المجتمع الدولي بالخضوع له بشكل ملزم، وما لم يسنده نظام قضائي مكتمل الأضلاع، أي نظام إلزامي لتسوية النزاعات وبوليس دولي يعمل تحت إمرة سلطة يعترف الجميع بشرعيتها وتخضع للرقابة والمساءلة على الصعيدين السياسي والقانوني.
لذا أعتقد أنه لا مخرج من «ورطة» المحكمة الجنائية الدولية التي كشف عنها تقرير أوكامبو إلا إذا أمكن توظيفه كأداة لحمل الأطراف المعنية على البحث الجدي عن تسوية سياسية لأزمة دارفور. أما إذا لم يتمكن المجتمع الدولي من انتهاز الفرصة المتاحة وتم توظيف التقرير كأداة للتصعيد ضد نظام البشير فسوف يفاقم ذلك من أزمة القانون الدولي وربما يعجل بانهياره.


نشر بتاريخ 03-03-2009  

 

أضف تقييمك

التقييم: 6.69/10 (596 صوت)


 





المركز السوداني

---------------

جريدة الصحافة

--------

جريدة الوطن

--------

قوون الرياضية

-----------

جريدة المشاهير

------------


 
البطاقاتϖالجوالϖالصورϖالصوتياتϖالفيديوϖالمقالاتϖالأخبارϖالمنتدياتϖالرئيسية
Powered byv2.0.0
Copyright © dciwww.com
Copyright © 2008 www.sudanja.net - All rights reserved